ابن أبي الحديد

359

شرح نهج البلاغة

ثم قال : " تغلبه نفسه على ما يظن ، ولا يغلبها على ما يستيقن " ، هذه كلمة جليلة عظيمة يقول : هو يستيقن الحساب والثواب والعقاب ، ولا يغلب نفسه على مجانبة ومتاركة ما يفضي به إلى ذلك الخطر العظيم ، وتغلبه نفسه على السعي إلى ما يظن أن فيه لذة عاجلة ، فوا عجبا ممن يترجح عنده جانب الظن على جانب العلم ! وما ذاك إلا لضعف يقين الناس وحب العاجل . ثم قال : " يخاف على غيره بأدنى من ذنبه ، ويرجو لنفسه أكثر من عمله " ، ما يزال يرى الواحد منا كذلك يقول : إني لخائف على فلان من الذنب الفلاني وهو مقيم على أفحش من ذلك الذنب ، ويرجو لنفسه النجاة بما لا تقوم أعماله الصالحة بالمصير إلى النجاة به ، نحو أن يكون يصلى ركعات في الليل أو يصوم أياما يسيرة في الشهر ، ونحو ذلك . قال : " إن استغنى بطر وفتن ، وإن افتقر قنط ووهن " قنط بالفتح يقنط بالكسر ، قنوطا مثل جلس يجلس جلوسا ، ويجوز قنط يقنط بالضم مثل قعد يقعد ، وفيه لغة : ثالثه قنط يقنط قنطا ، مثل تعب يتعب تعبا وقناطة فهو قنط ، وبه قرئ : ( فلا تكن من القانطين ) ( 1 ) ، والقنوط الياس . ووهن الرجل يهن ، أي ضعف وهذا المعنى قد تكرر . قال : " يقصر إذا عمل ، ويبالغ إذا سئل " ، هذا مثل ما مدح به النبي ( صلى الله عليه وآله ) الأنصار : " إنكم لتكثرون عند الفزع ، وتقلون عند الطمع " . قال : " إن عرضت له شهوة أسلف المعصية ، وسوف التوبة ، وإن عرته محنة انفرج عن شرائط الملة " ، هذا كما قيل : أمدحه نقدا ويثيبني نسيئة ، وانفرج عن شرائط الملة ، قال : أو فعل ما يقتضى الخروج عن الدين ، وهذا موجود في كثير من الناس إذا عرته المحن كفروا أو قال : ما يقارب الكفر من التسخط والتبرم والتأفف .

--> ( 1 ) سورة الحجر 55 ، وهي قراءة الأعمش ويحي بن وثاب ، وانظر تفسير القرطبي 10 : 36 .